من اخترع لعبة الطاولة؟ وما هي قصة اختراعها؟ تُعد طاولة الزهر واحدة من أقدم الألعاب التي تعود جذورها إلى الحضارات القديمة مثل السومرية والمصرية والهندية؛ إلا أن شكلها الحالي قد تبلور في بلاد فارس القديمة (إيران). يعزوها البعض إلى الملك “أردشير بابكان”، بينما يرى آخرون أن “بزرك مهر”، الوزير الحكيم للملك “كسرى أنوشيروان”، هو من صمم هذه اللعبة. في ذلك الوقت، ربما لم يتخيل أحد أن هذه الألواح البسيطة المصنوعة من الخشب والحجر ستصبح يوماً ما تحظى بشعبية طاغية لدرجة تُقام معها بطولات دولية في جميع أنحاء العالم، ونشهد فيها تنافساً بين عدد كبير من أبطال هذه اللعبة. إذا كنتم ترغبون في معرفة المزيد حول من مخترع لعبة الطاولة وقصة نشأة أول طاولة زهر في العالم، فابقوا معنا حتى نهاية هذا المقال من نردستان.
من هو مخترع لعبة الطاولة؟

كما ذكرنا في مقال “ما هي لعبة الطاولة؟“، يعود اختراع طاولة الزهر إلى العصور القديمة والحضارات الضاربة في القدم. ولكن السؤال الأهم هو: من الذي صمم هذه اللعبة الممتعة لأول مرة؟ ومن اخترع طاولة الزهر؟ وما هي الفلسفة وراء نشأتها؟ يعتقد العديد من الباحثين أن لعبة الطاولة، على عكس الاختراعات الفردية، هي نتيجة لتطور تدريجي للفكر واللعب في الحضارات القديمة. تبحث بعض المصادر عن فلسفة نشأتها بين السومريين والمصريين والهنود، بل ويُرجحون أن تكون اللعبة نتاج تأثير متبادل بين هذه الثقافات الثلاث. ومع ذلك، فإن الأبرز في التاريخ هو دور الحضارة الإيرانية في التشكيل النهائي لهذه اللعبة ومنحها هويتها الخاصة.
قصة اختراع لعبة الطاولة في إيران القديمة

تُظهر مراجعة المصادر التاريخية أن الإجابة على سؤال “في أي بلد اختُرعت لعبة الطاولة؟” تعود إلى إيران القديمة أكثر من أي منطقة أخرى. وما تؤكده النصوص التاريخية بيقين أكبر هو أن اللعبة التي شاهدها الصليبيون في معاركهم مع العرب الحكام في إسبانيا وشمال أفريقيا، كانت تُعرف باسم “نَرْد” أو “نَرْدشير”. وكان العرب قد أخذوا هذه اللعبة عن الإيرانيين، ثم نشروها في بلدان أخرى؛ وهو الحدث الذي يُبرز دور إيران في نقل وترويج هذه اللعبة عالمياً.
يعتقد الكثير من المؤرخين أن كلمة “نردشير” مشتقة من اسم “أردشير بابكان”. وهو الملك الشهير ومؤسس السلالة الساسانية، والشخصية التي يعتبرها البعض مخترع لعبة طاولة الزهر، أو على الأقل المروج والمنظم النهائي لها. ووفقاً لهذا الرأي، اكتسبت لعبة الطاولة مكانة خاصة في العصر الساساني كلعبة رسمية في البلاط الملكي، وأصبحت جزءاً من الثقافة الفكرية والأرستقراطية الإيرانية. ولهذا السبب، يعتبر الكثيرون أن إيران هي موطن أول لعبة طاولة في العالم بشكلها المعروف اليوم.
إلى جانب هذه النظرية، توجد رواية أخرى شهيرة ومؤثرة وردت في مصادر مثل “تاريخ الطبري” و”تاريخ سيستان”؛ وهي رواية تربط قصة اختراع الطاولة بعهد الملك “كسرى أنوشيروان”. وبحسب هذه القصة، أرسل ملك الهند لعبة شطرنج نفيسة بأحجار من الياقوت الأحمر والزمرد، مصحوبة بهدايا ثمينة إلى البلاط الإيراني لاختبار حكمة ودهاء الفرس. وكتب في رسالته إلى أنوشيروان أنه إذا تمكن حكماء إيران من كشف سر هذه اللعبة، فستكون الغلبة لهم؛ أما إذا عجزوا عن ذلك، فعليهم دفع الجزية للهند.
طلب أنوشيروان مهلة أربعين يوماً للرد. وخلال هذه الفترة، لم يتمكن أي من حكماء البلاط من اكتشاف طريقة لعب الشطرنج، حتى جاء اليوم الأربعون، حيث قام “بزرك مهر”، الوزير الشاب والحكيم، بشرح قواعد اللعبة بالكامل. بعد ذلك، جلس “بزرك مهر” للعب أمام مبعوث الهند، ومن خلال انتصاراته المتتالية، أثبت تفوق الحكمة الإيرانية.
وتشير الروايات التاريخية إلى أنه بعد هذا الانتصار، قدم “بزرك مهر” لعبة جديدة؛ لعبة لا تعتمد على العقل والتفكير فحسب، بل على الحظ والنصيب أيضاً. كانت هذه اللعبة هي الطاولة، والتي عُرفت لاحقاً كأول لعبة طاولة متكاملة في العالم. ومنذ ذلك الحين، بدأت اللعبة تكتسب شعبيتها تدريجياً في إيران والشرق الأوسط وجميع أنحاء العالم. إذا كنتم ترغبون في أن تصبحوا لاعبين محترفين، ننصحكم بقراءة مقال “الأخطاء الشائعة في لعبة الطاولة”.
في أي بلد اختُرعت لعبة الطاولة؟

إن الإجابة على التساؤل حول منشأ هذه اللعبة تترافق مع وجهات نظر مختلفة بين المؤرخين، ولكن بشكل عام ووفقاً للأبحاث التي أُجريت، يُنسب اختراع أول طاولة في العالم إلى إيران القديمة. وكما أشرنا سابقاً، تشير الأدلة التاريخية إلى أن الشكل المتماسك والمعروف للعبة قد ظهر في عهد الساسانيين في إيران.
كما يرجح بعض الباحثين وجود الجذور الأولى لألعاب مشابهة في حضارات مثل السومرية والمصرية والهندية. ومع ذلك، لم تقدم أي من هذه الحضارات الشكل الفلسفي المتكامل لطاولة الزهر الحالية. وما هو مؤكد عبر المصادر التاريخية أن اللعبة التي وصلت لاحقاً إلى أوروبا وعُرفت باسم (Backgammon) قد انتقلت عبر مسار إيران والعالم الإسلامي. لذا، لمعرفة هل يمتلك الأجانب لعبة الطاولة وما هو اسمها بالإنجليزية، ننصحكم بقراءة مقالنا المخصص لذلك، حيث تطرقنا أيضاً إلى الفروق بين الطاولة الإيرانية والأجنبية.
كيف كان شكل أول لعبة طاولة في العالم؟

لفهم تاريخ هذه اللعبة العريقة وقصة اختراعها بشكل أفضل، يجب أن نعود إلى سؤال: كيف كانت أول لعبة طاولة في العالم؟ على عكس طاولات الزهر الأنيقة والمزخرفة في يومنا هذا، كانت النماذج الأولى بسيطة للغاية، وعملية، وتتناسب مع الإمكانيات المتاحة في ذلك العصر. ومع ذلك، كانت هذه البساطة تحمل في طياتها مفاهيم عميقة عن الحياة، والزمن، والقدر.
بناءً على الاكتشافات التاريخية والأثرية والبحث حول من اخترع الطاوله، يمكن القول إن الألواح القديمة كانت تُصنع عادةً من مواد طبيعية متاحة، ومنها:
- الخشب (خاصة في إيران والمناطق الغنية بالغابات).
- الحجر أو العظام لصناعة الأحجار.
- الفخار أو العاج أحياناً في النماذج الملكية والأرستقراطية.
كان شكل الألواح بسيطاً في الغالب وخالياً من الزخارف المعقدة. صُمم لوح اللعب كلوح مسطح أو قابل للطي، وكانت الخانات تُحدد على شكل أخاديد أو خطوط محفورة أو نقوش بدائية. أما الأحجار، فكانت عبارة عن أقراص بسيطة، والنرد يُصنع من العظام أو الحجارة المنحوتة.
النقطة الأهم حول أول طاولة في العالم هي أن مفهوم اللعبة كان يفوق مظهرها أهمية. حتى في أبسط النماذج، كانت قواعد اللعبة (وإن كانت أسهل من القواعد الحالية) تتضمن مفاهيم أساسية مثل قوانين “الضرب” والتقدم. كما أن اللعب في النسخ الأولى كان يتميز بما يلي:
- عدد الأحجار كان محدداً وثابتاً.
- كانت الحركة تعتمد على رمي النرد.
- كانت المنافسة تجري بين شخصين فقط.
الفرق بين لعبة الطاولة القديمة والحديثة

تختلف طاولات الزهر الحديثة بشكل ملحوظ مقارنة بالنماذج القديمة؛ وهي اختلافات لا تقتصر على المظهر فحسب، بل تُظهر كيف تحولت هذه اللعبة من أداة تعتمد على الفكر في الماضي إلى تحفة فنية ووسيلة ترفيهية في عالم اليوم. ومع ذلك، فإن دراسة هذه الاختلافات تعيدنا دائماً إلى الأسئلة الجوهرية مثل: مخترع لعبة الطاولة من يكون؟ وأين اختُرعت؟ وكيف تشكلت في بداياتها؟
- من حيث الزخرفة والجماليات: كانت الألواح القديمة بسيطة جداً وبعيدة عن التكلف، بهدف عرض هيكل اللعبة والمفاهيم الفكرية الكامنة فيها. في المقابل، تُصنع الطاولات الحديثة باستخدام فنون مثل التطعيم (الخاتم)، والنحت، والفسيفساء، وحتى الأغلفة الجلدية أو المعدنية، وغالباً ما تبدو كتحفة فنية. هذا يثبت أن الطاولة الأولى اعتمدت على المعنى أكثر من المؤثرات البصرية.
- من حيث المواد المستخدمة: في الماضي، كانت تُصنع من مواد طبيعية ومحلية كالخشب البسيط أو الحجر. أما اليوم، فيستخدم الحرفيون الأخشاب الثمينة، الراتنج، المعادن، وحتى المواد الصناعية، مما يعكس تغير نظرة الإنسان لهذه اللعبة التي تجيب أصولها الإيرانية بوضوح على سؤال مكان اختراعها.
- من حيث دقة الصناعة: رغم بساطتها وعمليتها، كانت الألواح القديمة تُصنع يدوياً دون أدوات دقيقة. أما اليوم، فتُنتج بقياسات دقيقة، وتناظر مثالي، ومتانة عالية، مما يعكس التطور الصناعي دون المساس بروح اللعبة الأصيلة.
- من حيث الاستخدام: كان للعبة طابع فكري، تعليمي، وملكي لقياس الحكمة والصبر. اليوم، وبالإضافة إلى الجانب الفكري، أصبحت وسيلة للترفيه، والتنافس الودي، وحتى كقطعة ديكور؛ مما يؤكد أن الفلسفة المتمثلة في الجمع بين العقل والحظ لا تزال حية.
كلمة أخيرة: من اخترع لعبة الطاولة؟ وقصة اختراعها
كما وضحنا في هذا المقال للإجابة على التساؤل المُلّح حول من هو مخترع لعبة الطاولة، تعود جذور هذه اللعبة الرائعة إلى حضارة بلاد ما بين النهرين قبل حوالي 5000 عام. وسواء نسبنا اللعبة إلى “أردشير بابكان” أو اعتبرناها ثمرة حكمة “بزرك مهر” في عهد “كسرى أنوشيروان”، فإن طاولة الزهر هي أعمق بكثير من مجرد لعبة؛ إنها رمز للرؤية الإيرانية للحياة، حيث يندمج العقل والاختيار والقدر معاً ليعطوا معنى أسمى. وهذه الفلسفة العميقة هي سر خلود اللعبة عبر القرون.
الأسئلة الشائعة: من هو مخترع لعبة الطاولة؟
۱. من هو مخترع لعبة الطاولة؟
لا يُعد اختراع اللعبة حكراً على فرد واحد، ولكن الكثيرين ينسبونها إلى “أردشير بابكان” أو لحكمة “بزرك مهر” إبان العصر الساساني.
۲. في أي بلد اختُرعت لعبة الطاولة؟
تعود الجذور والشكل المتماسك للعبة الطاولة بشكلها الحالي إلى إيران القديمة.
۳. كيف كان شكل أول لعبة طاولة في العالم؟
كانت بسيطة وعملية، تُصنع من الخشب أو الحجر، وتحتوي على أحجار ونرد بدائي الصنع.
۴. ما هي الفلسفة وراء ظهور لعبة الطاولة؟
تُعتبر اللعبة رمزاً مجازياً للحياة، حيث تجسد التقاء العقل، والتفكير الحر، والقدر في آنٍ واحد.
۵. ما هو الفرق بين لعبة الطاولة القديمة والحديثة؟
كانت الألواح القديمة بسيطة خالية من التكلف، بينما تتميز النماذج الحديثة بدقة الصناعة، والزخارف المعقدة، واستخدام مواد باهظة الثمن.
۶. هل تُعد طاولة الزهر مجرد لعبة ترفيهية؟
كلا، فقد كانت اللعبة أداة فكرية وتعليمية، وتعكس فلسفة الحياة وتدبير الإنسان وانسجامه مع مجريات القدر.




